Dzayerinfo

أولادكم ليسوا لكم

2021-09-19 11:46

  رامي نصرالله ليس تحريفاً لمقولة جبران الذي أشار إلى أن الأبناء ملك الحياة، بل ربما تساؤلٌ حول من يملك تلك الحياة التي سيدخلها أبناءنا، وهل تبقى الحياة هي تلك الكلمة النقية والبريئة من أي استغلالٍ أو من تحكم أية “يد خفية” على حد تعبير آدم سميث؟ أو بمعنى آخر هل تلك الحياة “في مكان آخر” مترفعٍ عن الصراع؟ توازياً مع مقولة جبران يردد الكثيرون مقولات وتعاليم في التربية تطلب الابتعاد عن بناء أطفالنا كنسخٍ مطابقة لنا أو لطموحاتنا، كما تريد أن نتركهم يقررون ما يشاؤون بعيداً عن توجيهاتنا وأفكارنا، بدءاً من الدراسة والمعتقد وليس انتهاءً بالعمل والزواج ومكان الإقامة...

من تحكم أية “يد خفية” على حد تعبير آدم سميث؟ أو بمعنى آخر هل تلك الحياة “في مكان آخر” مترفعٍ عن الصراع؟ توازياً مع مقولة جبران يردد الكثيرون مقولات وتعاليم في التربية تطلب الابتعاد عن بناء أطفالنا كنسخٍ مطابقة لنا أو لطموحاتنا، كما تريد أن نتركهم يقررون ما يشاؤون بعيداً عن توجيهاتنا وأفكارنا، بدءاً من الدراسة والمعتقد وليس انتهاءً بالعمل والزواج ومكان الإقامة وطريقة العيش. حيث تعارض تلك المفاهيم التربوية تدخُّل الأهل في خيارات أبنائهم وتوجيه سلوكهم نحو معتقداتهم، كما تتشعب قوانينها في العلاقة اليومية ما بين الأهل والطفل ناقلةً العلاقة إلى تعاملاتٍ أكثر منطقية وتجرد، بعيدة عن الانفعال ورد الفعل المباشر، لتحول دون تأثر العلاقة بالانفعالات العاطفية الطبيعية وآثارها. وإذ كان الإنسان يسعى دوماً إلى تحسين وتهذيب تواصله وعلاقاته وسلوكيات عيشه، فإن ذلك السعي لا يأتي مستقلاً عن الواقع وعن الارتباط به، ولا يمكن له أن يغير في السلوك بمنأى عن الواقع وما يفرضه، وإلا تحولت الأخلاق إلى مُثلٍ ونصائح طوباوية تحارب طواحين الهواء. من هنا كان لا بد من دراسة الترابط بين الواقع والتربية، وقبل أن نسأل كيف نربي علينا أن نسأل لماذا نربي كما يشير لنا برتراند راسل في كتابه “في التربية”، أي بمعنى آخر ما هي غاية التربية؟ وفيما تتداخل التربية بالتنمية الاجتماعية وتشكِّل أهم مرتكزاتها، فهي لا تنفصل بذلك عن التنمية الاقتصادية، لتُرانا نصل في سؤالنا عن التربية إلى سؤالنا عن الاقتصاد. يُعتبر فعل التربية سابق على نشوء مفهوم التربية كمصطلح مستقل يناقش التربية نظرياً، فهي نشاط قديم مارسه الإنسان لتنشئة أجيال تحافظ على استمرار النوع وبقائه وتطوره، قبل أن تتطلب العصور اللاحقة تنشئة أفراد نوعية تضطلع بمهام نوعية تختلف عن العموم، ويمكن لها العمل بشكل مستقل عن الآخرين لصالح التفرغ لتلك المهام النوعية، والتي ستعود بنتائجها على العموم. وإذا كان على الجماعة القيام بمهام العمل، والحماية، والتكاثر، والتكاتف في المحن، كان لا بد لها من تربية أفرادها على الفروسية والقتال وركوب الخيل وأساليب الزراعة وجني المحصول، بالإضافة إلى عادات التشارك في أفراحها وأتراحها، لتكتمل بذلك حلقة الإنتاج ضمن الجماعة وسيرورة استمرارها وتماسكها. من هنا ليس من المستغرب أن يُنفى من يخرج عن قوانين تلك الجماعة التي لا يحتمل الحفاظ عليها خروج أفرادها عن القوانين الأساسية لبقائها. في المقابل فإن صعود الليبرالية فرض معاييره الجديدة المتعلقة بحرية الفرد والتجارة وحرية تحرك رأس المال، ليتجلى ذلك في إعلان حقوق الإنسان الذي رآه ماركس تجسيداً لحقوق “الإنسان الأناني” أو بمعنى آخر حريتك في ملكيتك المعزولة، وحدود حريتك هي حدود ملكيتك، لتنتهي حين تبدأ (حدود) الآخرين. ذلك الإنسان المنعزل الذي سيغدو كل سعيه في العصر الحديث تسويق خدماته وذاته بدفع شروط السوق. وفي حين يحيا الإنسان في مجتمع لا يمكنه العيش بداخله لما بات يفقده من ذاته وسطه، ولا يمكنه العيش خارجه لما يؤمنه له من حاجاته اليومية الضرورية، غدا عالقاً في حلقة انحلال التمييز بين المجال الخاص والمجال العام، وهو ما أدى بحسب ريتشارد سينيت إلى ظهور ذات نرجسية يصعب عليها فهم نفسها وفهم الآخرين، لتصبح ذات كل فرد هي همه الرئيس، وتصير معرفة الذات غاية بدلاً من أن تكون الوسيلة التي من خلالها يعرف المرء العالم. وفي حين أن المجتمع اقتحمه التسليع وشروط السوق، بات على الفرد أن يجد نفسه في تلك الدورة الاستهلاكية الدائمة الحاكمة لحياته، والتي تريد من الفرد أن يكون متسوقاً شرهاً ومسوِقاً ناجحاً، عاملاً مطيعاً وصبوراً يحترم البيروقراطية ولا يفكر بتجاوزها بالطرق الراديكالية، ولعلنا وصلنا هنا إلى ما سألناه سابقاً “ما غاية التربية”. احتاج الإنسان قديماً ليكون مزارعاً فعلم أبناءه الزراعة، ويحتاج اليوم لعامل شركة متطور وملتزم فافتتح جامعات تقنية متطورة، مع ما يلزمها من نظم تربوية موازية، ومؤسسات حقوقية وإعلامية ومنظمات مدنية وبنى ثقافية وفنية. وبذلك فإن شروط السوق ستحكم السلوك الإنساني، وسيتم تقييم ذلك السلوك بقيمته التبادلية في السوق، لتغدو سلوكيات كالغضب والانفعال والتمرد والعنف لا نفع لها لما تعطله في دورة الاستهلاك، في حين تغدو سلوكيات محددة كالتسامح واللاعنف والمهارة في التواصل والتنظيم والالتزام سلوكيات مطلوبة لما تتيحه من سير دورة الاستهلاك، وعليه تصبح متطلبات التربية هي غربلة سلوك الإنسان بما يفرز فرداً أكثر إفادة. أما في مجتمعنا المحلي حيث نستورد حاجاتنا المادية والثقافية من الغرب، ونصدِّر ثرواتنا الأولية الباطنية والبشرية إليه، أي نصدِّر أولئك الأفراد الذين سيعملون في الشركات الغربية ونستورد (كاتلوك) تنشئتهم وتنشئتنا كعاملين ومستهلكين صابرين، بدءاً من الدستور وطرق إدارة الحكومات وصولاً إلى كراس التربية والتنمية البشرية وإدارة الذات، لنسأل هنا ما الذي يحكم غاية تربية أبنائنا؟ هل حقاً هي غاية امتلاك الحياة؟ ختاماً، ليس المقال دعوة إلى هجرة أساليب التربية الحديثة، بل للتفكُّر والتروي قبل التهامها كما هي، دعوةٌ لأخذ ما يناسب واقعنا منها، وبناء أبنائنا بمقتضيات واقعنا ومعطياته، وتطوير واقعنا بما يتناسب مع طموحنا لأبنائنا، كي لا نُنشئ أفراداً متضخمي الذات، مغتربين عن واقعهم ومصدومين بمقتضياته وبعدم قدرتهم على استثمار طاقاتهم فيه، واقعٌ يجيب على تساؤلات الذات لا مصالح الشركات شارك هذا الموضوع: تويتر فيس بوك

Partagez l'article :

تغطيات إخبارية