Dzayerinfo

الفكر الاستراتيجي العربي

2021-09-19 18:10

يزن زريق إدخال المنهجية الجيوبوليتيكيّة إلى العقل السياسي العربي والى الممارسة السياسية العربية. أليست هذه هي مهمةُ الساعة بالنسبة “للنخبة” العربية المثقفة (أي ما يمكن تسميته بالانتلجنسيا العربية)؟ المضيّ أكثر نحو التفكير الاستراتيجي، أكثر نحو النضج والعمق السياسي، مع تعلم للتفكير الهادئ وللحسابات الموضوعية… إنها مهمة الساعة. يجب أن نتعلم الجيوبوليتك وأن نؤسس مدرستنا الخاصة. فبذلك فقط نمضي قليلا نحو الأمام، بعيداً عن مستنقعنا وتعطّلنا الحضاري العام الحالي. الحل اليوم هو في أن نكون استراتيجيين أكثر، أن نكون عالميين أكثر، أن نبلغ سعة أفق الاستراتيجية وأن نعتنق مبادئ الجيوبوليتيك الحديث وأن نطبقها في التحليل وفي الممارسة. حول الارث التاريخي الجيوبوليتيكي...

لمضيّ أكثر نحو التفكير الاستراتيجي، أكثر نحو النضج والعمق السياسي، مع تعلم للتفكير الهادئ وللحسابات الموضوعية… إنها مهمة الساعة. يجب أن نتعلم الجيوبوليتك وأن نؤسس مدرستنا الخاصة. فبذلك فقط نمضي قليلا نحو الأمام، بعيداً عن مستنقعنا وتعطّلنا الحضاري العام الحالي. الحل اليوم هو في أن نكون استراتيجيين أكثر، أن نكون عالميين أكثر، أن نبلغ سعة أفق الاستراتيجية وأن نعتنق مبادئ الجيوبوليتيك الحديث وأن نطبقها في التحليل وفي الممارسة. حول الارث التاريخي الجيوبوليتيكي العربي لأجدادنا هناك الكثير مما يمكن قوله. قبل بضعة آلاف من السنين كنا استراتيجيين أكثر بل كنا السادة فعلياً في هذا المجال. يمكن أن نبدأ عبر جيوبوليتيكا الشعوب الساميّة الموغلة في القدم. ان الامبراطورية الفينيقية أول نموذج “تالاسوكراتي” مكتمل، أي انها نموذج للقوة البحرية التي بنت استراتيجيتها عبر السواحل والأساطيل. إنه القطب البحري (الامبراطورية الأمريكية متابعة لها بوصفها قوة بحرية عالمية) في مواجهة قوى برية تتخذ البرّ أسلوباً لتوسعها وأساساً لبناء استراتيجياتها. أنموذج قرطاجة أيضاً استمرار مباشر، إنها أمّ الأنموذج البحري الاستراتيجي العالمي المكتمل (أيضاً البندقية، هولندا، والامبراطورية البريطانية العظمى كلها مضت على نفس الخط) ونقيضها هو روما البرية. عبر عملية إعادة تحديد مهولة الأبعاد، أعاد الاسلام قولبة التوجهات الجيوبوليتيكية للمنطقة العربية بمجملها. عهد جديد وهوية جديدة لابل متجددة، ثقافياً وسياسياً وروحياً ليتم خلق “جيوبوليتكا الخلافة” كما أسماها ألكسندر دوغين. الخلافة هي الأمّ الجيوبوليتيكية للعالم العربي، التي أسست عملاقاً برياً ذو فاعلية توسعية قصوى. وهو مفهوم معاصر ومتجدد لابل ضروري إلى اليوم. ضروري لكن مع ملاحظة أنه يجب فهمه جدلياً. أي يجب أن نبحث اليوم، كما فعل غرامشي بالنسبة إلى ايطاليا، عن “الخليفة الحديث” بمعناه العصري (بدلاً عن ” الأمير الحديث” الذي لا غنى عنه لنهضة ايطاليا الحديثة والذي بحث عنه غرامشي وذلك بسبب من بنيتها الاستراتيجية بالذات) ولكن هذا بحث آخر وان كان لا يقل أهمية. اليوم الحدث الأعمق في منطقتنا هو الوجود الاستعماري. انه عصر العولمة، وبالتالي التواجد الحتمي (الغزو المباشر والهيمنة والاحتلال الخ) للقوى الكبرى هو العنوان الرئيس، هو أساس التحليل الاستراتيجي للمنطقة. ومعه الحدود التعسفية أساس بنية “جهوريات الموز” عماد الدولة العربية الحديثة. حدود تعسفية بصفة مطلقة بدون أي مضمون، لا تاريخي ولا اثني ولا قومي فقط سياسي استعماري. بالطبع الاستراتيجية العربية والتي لم تنوجد بعد، ان وجدت ستتجه نحو “الآماد الكبرى” إنها “أمويّة” التوجه، “عباسيّة” التنوع وعصرية بشكل غير مسبوق. ولكن قبل الحديث عن “إلى أين”، الجيوبوليتيك يبحث عن الآن وعن الحاضر وبموضوعية مطلقة. انه يبحث عن التفاصيل بصرامة. التاريخ الإثنيات التضاريس الديموغرافيا العشائر، والتكوين الروحي والنفسي والموروث الحضاري… ثم بديهيات السياسة: الاقتصاد والقوى والأحزاب والمؤسسات البني الدولتيّة والما تحت دولتيّة، هكذا ترسم خرائط الجيوبوليتيك. فالمدرسة الاستراتيجية العربية عمل بحثي جبار ونحن فقط على العتبة. كان سبيكمان قد قال” الجغرافيا هي المصير” Geography is fate، في أولى محاولات تأسيس العلم. صحيح ولكن غير كاف. آدم سميث كان على مذهب ” الاقتصاد هو المصير”. ايضاً صحيح ولكن أيضاً غير كاف. كلاهما معاً وأكثر، أنه الواقع بشموليته بكليته العالمية، باقتصاده وجغرافيته الخ. فالجيوبوليتيك هو دراسة لكافة العوامل المؤثرة في حركة المجتمعات الانسانية مادية كانت أو معنوية. “الجيوبوليتكا-علم الحُكم” ثابتة بديهية عند ماينينغ وكسينجر وهينتنغتون… ومشهد الحكُم العالمي معقد جداً اليوم. عنوانه انقسام رئيسي: القوة الأوراسيّة (البرية) في مواجهة القطب الأطلسي (القوة البحرية). يتخلل ذلك الأحلاف والخطوط والقوى الصاعدة والهابطة عبر لوحة جيوبوليتيكة مدهشة. أين نحن؟ استراتيجياً (فسياسياً فقط التصنيف أقل، السياسة مكوّن، جزء من الجيوبوليتيك وعامل من عوامله. التصنيف الاستراتيجي أعمّ وأكبر وأوسع). عالمنا الاسلامي متوزع في عدة اتجاهات رئيسية: الاتجاه الأصولي الايراني-التيار الأصولي التركي-التيار العروبي. والتيار العروبي منقسم بدوره استراتيجياً إلى تيارين رئيسيين: التيار العروبي الأصولي (وهابي سعودي ذو تلوينات مختلفة) والتيار العروبي اليساري ذو الصبغة القومية. هذه هي القوى الرئيسية، وهذه هي التيارات في خطوطها العريضة لفهم جيوبوليتيك المنطقة، ولكن هذه خطوط عريضة وعامة فحسب وبالتالي غير كافية، هناك أكثر. يجب أن نسأل أين نحن مجدداً وعدة مرات، وعلى عدة مستويات؟ المناطق البرية القريبة، والمناطق البحرية القريبة ومن ثم الدوائر القاريّة. علينا فهم الاقليم أولاً. المشرق العربي مثلاً هو قلب الشرق الأوسط الذي هو منطقة جيواستراتيجية متكاملة، تضم الهضبة الأناضولية وشرق المتوسط وإيران. في هذا الاقليم وحده لدينا عدة أحزمة استراتيجية متداخلة وشديدة التعقيد. اننا نحتاج تفكيراً هادئاً لفك الطلاسم ومن ثم رسم الخرائط الصحيحة. تركيا كقوة اقليمية في الشمال ذات تداخلات رئيسية معنا (من الجميل هنا ذكر تأكيد داوود أوغلو في كتابه العمق الاستراتيجي على أننا” الحديقة الخلفية” hinterland ” التي لا غنى عنها” والضرورية مباشرةً للأمن القومي التركي، وخاصة سوريا والعراق وصولاً إلى الخليج، ثم يكون التوسع في الخطوة التالية نحو شمال أفريقية! فذلك شرط رئيسي لنمو تركيا إلى مستوى قوة اقليمية-دولية). ثم هناك القطب الايراني كقوة إقليمية كبرى أخرى تدخل في نفس السياق، ونحن أيضاً ندخل ضمن نفس التصنيف بالنسبة لها كساحة خلفية غربيّة ضرورية. ومن ثم هناك المركز الأطلسي الغربي المتقدم متمثلا بإسرائيل كقطب اقليمي ثالث، ذو توجهات أكثر شراسة تجاهنا… في الحقيقة عبر الإطار النظري الجيوسياسي العربي (المفقود حالياً والجدير بالذكر هنا أن عبد الناصر كان آخر من حاول ايجاده نظرياً وتطبيقياً) المبني على معطياتنا الاقتصادية والسياسية الثقافية، يمكن قلب المعادلة. عبره فقط يكمن انجاز تعديل جيوبوليتيكي جوهري يحولنا من “حديقة خلفية” لقوى ما، إلى قوة قائمة تبحث عن مجالها الحيوي، والذي بحسب امكانيات المنطقة وتجاربنا التاريخية (من الامبراطورية الفينيقية البحرية إلى الامبراطورية الأموية البرية التوجه وغيرها) يظهر أنه عالميّ النطاق، ذو آماد كبرى قاريّة تشمل العالم القديم بأكمله. أين نحن؟ بل أين دورنا وما هي الأثمان التي ندفعها نتيجة قصور رؤانا النظرية والاستراتيجية؟ كيف نتعامل مع عناصر القوة لدينا، الثابتة والمتغيرة؟ أين ارثنا التاريخي؟ كل القوى الدولية المعاصرة تستخدم موروثها التاريخي كعنصر قوة استراتيجي (تركيا في البلقان، إيران في العراق الخ) ونحن الذين “ألحقنا الدنيا ببستان هشام” ألا يحق لنا أخيرا العودة إلى دور الفاعل لا المنفعل في التاريخ، كما كنا ذات يوم وكما سنكون كقوة خير ومصدر اشعاع حضاري؟ نعم ان المدرسة الجيوبوليتيكية العربية لحاجة ملحة. “فالحياة لا ترحم الضعفاء” و” وليس ثمة حياة اليوم لأي دولة يقل عدد سكانها عن 200-300 مليون نسمة” و” لا أمة بلا جيش ولا جيش بلا سلاح ذري…” فهذه شروط الوجود في العالم الحديث بحسب الجيوبوليتيك (جان تريار_ في دراسته عن المستقبل الجيوبوليتكي لأوربا). فإما أن نتحرك أو أننا فعليا نندثر وعلينا يقع تكليف الاختيار. شارك هذا الموضوع: تويتر فيس بوك

مشاركة المقال :

تغطيات إخبارية